تكرّس المواد 3 و9 و18 من اتفاقية حقوق الطفل المصلحة الفضلى، وعدم فصل الطفل عن والديه إلا للضرورة، والمسؤولية المشتركة للأبوين. قراءة في تناقض الممارسة المغربية مع هذه الالتزامات.
تُعد اتفاقية حقوق الطفل، المعتمدة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1989، الإطار الدولي الأسمى لحماية حقوق الطفل وضمان نموه المتكامل داخل بيئة أسرية آمنة ومتوازنة. ومن بين أهم المواد التي تُكرّس هذا الحق وتؤكد المسؤولية المشتركة بين الأبوين، نجد المواد 3 و9 و18، التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بموضوع الإقصاء الأبوي بعد الانفصال، وما ينتج عنه من حرمان الأطفال من أحد الوالدين، خصوصًا الآباء في السياق المغربي والعربي.
أولًا: المادة 3 – مبدأ المصلحة الفضلى للطفل
تنص المادة 3 على أن المصلحة الفضلى للطفل يجب أن تكون الاعتبار الأول في جميع الإجراءات التي تتخذها السلطات الإدارية أو القضائية أو المؤسسات العامة والخاصة. هذا المبدأ هو حجر الزاوية في كل سياسات وتشريعات حماية الطفل. لكن الممارسة الواقعية في حالات الطلاق في المغرب تُظهر أن مفهوم «المصلحة الفضلى» يُفسَّر أحيانًا بشكل ضيق أو منحاز، حيث يُفترض تلقائيًا أن إسناد الحضانة للأم هو المصلحة الفضلى، دون دراسة حالة كل طفل على حدة، ودون مراعاة احتياجاته النفسية والعاطفية، ولا أهمية استمرار العلاقة المنتظمة مع والده. إن إقصاء الأب ستة أيام في الأسبوع وحصر دوره في زيارة شكلية ليوم واحد لا يمكن اعتباره متماشيًا مع هذا المبدأ، لأنه يؤدي إلى إفقار الطفل عاطفيًا وتربويًا ويحرمه من نصف حنانه الأسري ومن القدوة الأبوية التي يحتاجها لتوازنه.
ثانيًا: المادة 9 – حق الطفل في عدم فصله عن والديه إلا لضرورة قصوى
تُلزم المادة 9 الدول الأطراف بضمان ألا يُفصل الطفل عن والديه ضد إرادتهما إلا إذا قررت السلطات المختصة أن هذا الفصل ضروري لمصلحته الفضلى، مثل حالات الإهمال أو العنف أو الخطر الجسيم. إلا أن ما يجري عمليًا بعد الطلاق هو فصل شبه دائم بين الطفل وأحد والديه (غالبًا الأب)، دون أي خطر يبرره، وإنما بسبب نصوص جامدة تُسند الحضانة تلقائيًا للأم وتجعل حق الزيارة محدودًا وهشًا يمكن تعطيله بسهولة دون جزاء فعال. إن الحرمان من صلة الرحم بين الطفل ووالده انتهاك مباشر للمادة 9، كما أن غياب الآليات العملية لضمان تنفيذ أحكام الزيارة يفرغ النصوص من مضمونها.
ثالثًا: المادة 18 – المسؤولية المشتركة للأبوين
تؤكد المادة 18 أن الوالدين يتحملان معًا المسؤولية المشتركة عن تربية الطفل وتنشئته، وتُلزم الدول الأطراف باتخاذ الإجراءات التشريعية والإدارية اللازمة لتمكين كلا الوالدين من ممارسة مسؤولياتهما على قدم المساواة، سواء خلال الزواج أو بعد الانفصال. إلا أن الواقع المغربي يُظهر تناقضًا واضحًا: تُسند الحضانة للأم تلقائيًا، ويُقصى الأب من متابعة أبنائه في التعليم والصحة والتربية واتخاذ القرارات المصيرية رغم توفره على الولاية الشرعية التي تبقى حبرًا على ورق، بينما يُبقي القانون على التزامه بالنفقة فقط، وكأن دوره يُختزل في الجانب المالي.
رابعًا: ما الذي يقتضيه الإصلاح؟
تُبرز هذه المواد الثلاث أن القانون المغربي في صيغته الحالية وممارساته التطبيقية يحتاج إلى مراجعة شاملة لضمان الاتساق مع التزامات المملكة الدولية، لا سيما:
- إعادة تعريف مبدأ المصلحة الفضلى للطفل بشكل شامل، ليشمل حقه في الرعاية الأبوية المتوازنة من كلا الوالدين؛
- إقرار الحضانة المشتركة والولاية المشتركة كأساس قانوني بعد الانفصال، بدلًا من الحضانة الأحادية؛
- تفعيل آليات مراقبة وتنفيذ أحكام الزيارة لحماية حق الطفل في صلة الرحم والاتصال الدائم بوالده؛
- إدماج المقاربة الحقوقية والإنسانية في السياسات القضائية والاجتماعية الخاصة بالطفولة والأسرة.
اليوم، يُضطر الأب إلى خوض مساطر طويلة لإثبات واقعة الحرمان، ولا يحصل في الغالب على حكم جنحي نهائي ضد الحاضنة الممتنعة إلا بعد سنوات، دون أي تدبير استعجالي لحماية حق الطفل في التواصل مع والده. وأمام هذا الوضع تضيع سنوات من عمر الطفل، فتصبح الأحكام — حتى حين تصدر — مجرد تعويض رمزي عن ضرر لا يمكن إصلاحه. وفي النهاية قد يجد القضاء نفسه مضطرًا إلى إسقاط الحضانة عن الأم وإسنادها للأب، فيُعاقب الطفل مرتين: بحرمانه من والده طيلة النزاع، ثم من والدته بعد الحكم. فهل هذه فعلًا هي المصلحة الفضلى للطفل التي يكرّسها القانون الوطني والاتفاقيات الدولية؟ إن الأب ليس زائرًا في حياة أبنائه، بل ركن أساسي في كيانهم النفسي والعاطفي.