دراسة أكاديمية للدكتور محمد الإدريسي العلمي المشيشي، أستاذ فخري بجامعة محمد الخامس، حول دوافع العود القانوني، تعيد طرح سؤال تواجهه الجمعية كثيرًا: ماذا يحدث حين يتكرر الامتناع عن تسليم الطفل من نفس الشخص، وكيف تُثبَت الجريمة حين تتحايل الأم أو أسرتها؟ هذا ما يقوله الباحث، وما تسجله الجمعية ميدانيًا.
نشرت مجلة الشؤون الجنائية، في عددها الصادر يناير 2020، مقالًا أكاديميًا بعنوان «دوافع العود القانوني» للدكتور محمد الإدريسي العلمي المشيشي، الأستاذ الفخري بجامعة محمد الخامس. المقال دراسة عامة في علم الإجرام لا علاقة لها مباشرة بقضايا الأسرة، لكنها تعيد طرح سؤال تطرحه الجمعية كثيرًا حين تواكب آباء يشتكون من امتناع متكرر عن تسليم أبنائهم، أحيانًا من نفس الشخص وحتى بعد إدانة سابقة: لماذا يتكرر هذا الفعل، وماذا يقول القانون الجنائي المغربي فعلًا عن هذا العود؟
ماذا يقول الباحث عن دوافع العود؟
يميز الإدريسي العلمي المشيشي بين نوعين من الدوافع: دوافع ذاتية تخص شخص العائد نفسه (خلقية أو جينية أو مكتسبة، كحدة المزاج والغيرة والشعور بالنقص وسوء التربية أو تأثير الإدمان)، ودوافع موضوعية تخص محيطه المؤسساتي (مدى دقة أو اتساع صياغة النص القانوني، ممارسة النيابة العامة في إثارة العود من عدمه، سياسة العفو، وظروف السجن). ويسجل، استنادًا إلى دراسة صادرة عن الإدارة العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، أن 76 % من العائدين في المغرب هم من فئة الشباب بين 19 و39 سنة. لكن أهم ما يخلص إليه المقال، وهو ما يتقاطع تمامًا مع ما تلاحظه الجمعية ميدانيًا، هو أن المغرب يفتقر إلى إحصائيات رسمية دقيقة لعدد حالات العود بحد ذاتها، رغم توفر إحصائيات عامة للجرائم: فالسجل العدلي، كما يوضح الكاتب، لا يميز بين من ارتكب الجريمة لأول مرة ومن ارتكبها للمرة الثانية أو أكثر، ما يجعل تتبع العائدين ومعالجتهم أمرًا صعبًا من الأساس. ويذكّر المقال أيضًا بملاحظة عملية بسيطة يوردها الباحث: «من عاد مرة يعود مرات أخرى» — أي أن سابقة العود نفسها تبقى من أقوى مؤشرات احتمال تكراره.
ما الذي يجرّمه القانون أصلًا؟
ينص الفصل 476 من القانون الجنائي على معاقبة من كان مكلفًا برعاية طفل وامتنع من تقديمه إلى من له الحق في المطالبة به، بالحبس من شهر إلى سنة. أما الفصل 477 فيخص الحالة الأدق التي تواكبها الجمعية غالبًا: صدور حكم قضائي بالحضانة، نهائي أو نافذ بصفة مؤقتة، وامتناع الأب أو الأم أو أي شخص عن تقديم القاصر لمن له الحق في المطالبة به، أو اختطافه أو التغرير به ولو دون عنف أو تدليس، ممن عُهد إليه بحضانته أو من المكان الذي وُضع فيه. العقوبة هنا الحبس من شهر إلى سنة وغرامة من مائتين إلى ألف درهم، وترتفع إلى ثلاث سنوات حبسًا إذا كان مرتكب الجريمة قد سبق حرمانه من الولاية الأبوية على القاصر.
وماذا في حالة العود؟
هنا يتقاطع الموضوعان: يخصص القانون الجنائي فرعًا كاملًا لحالة العود (الفصول 154 إلى 160). وينص الفصل 157 على أن من سبق الحكم عليه بالحبس من أجل جنحة، بحكم نهائي، ثم ارتكب جنحة مماثلة قبل مضي خمس سنوات على تنفيذ تلك العقوبة أو تقادمها، يجب الحكم عليه بعقوبة حبس لا يتجاوز ضعف الحد الأقصى المقرر للجنحة الثانية — أي حتى سنتين حبسًا بدل سنة واحدة في حالة الفصلين 476 أو 477. والأهم أن الفصل 158 يحدد لائحة الجنح «المتماثلة» لأجل تقرير العود، وتضم فقرته السادسة صراحة «كل الجنح المرتكبة في حق الأطفال الذين لم يتموا ثمان عشرة سنة ميلادية كاملة». بعبارة أخرى: كل امتناع ثانٍ عن تسليم طفل لم يبلغ 18 سنة، يرتكبه نفس الشخص خلال خمس سنوات من تنفيذ إدانته الأولى، يدخل قانونًا في خانة العود المشدِّد للعقوبة، سواء تعلق الأمر بنفس الطفل أو بطفل آخر.
الفجوة بين النص والتطبيق
في الممارسة القضائية، نادرًا ما يُثار هذا التشديد فعليًا: كل امتناع جديد يُعالج غالبًا كأنه الأول، دون تتبع منهجي للسوابق القضائية لنفس الشخص، خصوصًا حين تتغير المحكمة المختصة بتغير محل إقامة الطرفين. والنتيجة أحكام مخففة أو موقوفة التنفيذ تتكرر مع كل شكاية جديدة، بينما يستمر الطفل في دفع ثمن الانتظار.
وفي الملفات التي تواكبها الجمعية، تُسجَّل صورة متسقة: عدد حالات الامتناع المتكرر عن تسليم الطفل من نفس الشخص في تزايد واضح خلال السنتين الأخيرتين، والصعوبة الحقيقية ليست في النص القانوني بحد ذاته بل في إثبات الجريمة أصلًا — إذ تلجأ الأم، أو أفراد من أسرتها الذين يشاركون في ذلك غالبًا، إلى أشكال من التحايل (تغيير مكان الإقامة دون إشعار، التذرع بمرض مفاجئ للطفل يوم الزيارة، رفض فتح الباب أمام المفوض القضائي رغم إثبات حضوره) تجعل كل واقعة على حدة قابلة للإنكار أو التبرير، وتحول دون تراكم الوقائع في ملف واحد يوثق العود بوضوح. وأحد الملفات التي تتابعها الجمعية بالدار البيضاء يجسد هذا الانسداد إلى أقصى حد: العود فيه ثابت ومتكرر، لكن الأب يبقى منذ ثلاث سنوات دون أي إمكانية لرؤية ابنه — لا اتصال إطلاقًا وبأي شكل كان — دون أن يحرك ذلك أي رد فعل مؤسساتي تجاه الحيف الذي يلحق الطفل نفسه، قبل أن يلحق والده.
ما الذي يجب أن يتغير؟
- تتبع منهجي للسوابق القضائية المتعلقة بجرائم الفصلين 476 و477 عبر السجل العدلي، بغض النظر عن المحكمة التي أصدرت الحكم الأول.
- إثارة النيابة العامة والأطراف المدنية لحالة العود صراحة كلما توفرت شروط الفصلين 157 و158 (الفقرة 6)، بدل الاكتفاء بالمتابعة على أساس جنحة أولى في كل مرة.
- توثيق منهجي لكل واقعة امتناع (محضر المفوض القضائي، تقرير الشرطة، أو أي وسيلة تسجيل متاحة) لبناء ملف عود متكامل بدل وقائع متفرقة يسهل التحايل عليها أو إنكارها.
- قضاء أسري استعجالي متخصص يبت بسرعة في هذه الملفات، كما تطالب به مذكرة الجمعية، حتى لا يتحول بطء التقاضي نفسه إلى حافز على العود.
الامتناع الأول عن تسليم الطفل جريمة يعاقب عليها القانون. والقانون نفسه يعتبر الامتناع الثاني أخطر. على التطبيق أن يلحق بالنص.