أب من مؤسسي الجمعية وأعضاء مكتبها محروم من ابنه منذ يونيو 2023، وتقرير لطبيب نفسي للأطفال يتضمن معطيات خطيرة تستوجب التحقق. الجمعية تعرض الملف باحترام للقضاء ولحقوق جميع الأطراف، وتقدم عشر توصيات لإصلاح العدالة الأسرية.
تتابع الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق الأب والأبناء، وبقلق شديد، الوضعية التي يعيشها أحد مؤسسي الجمعية وأعضاء مكتبها، وهو أب يخوض منذ سنوات مسارًا طويلًا من الإجراءات والمساطر من أجل الحفاظ على علاقته بابنه وممارسة مسؤولياته الأبوية. وقد كانت تجربته الشخصية من بين التجارب التي عمّقت اهتمام الجمعية بقضايا الأبوة والطفولة والعدالة الأسرية.
غير أن الجمعية تؤكد أن متابعتها لهذا الملف لا تنطلق فقط من الصفة الشخصية للمعني بالأمر، وإنما أيضًا من كون هذه الحالة تطرح إشكالات حقوقية وقانونية أوسع تتعلق بحقوق الطفل، وحقوق الإنسان، والمساواة في المسؤولية الأبوية، وحقوق المرأة، وفعالية العدالة الأسرية، وتنفيذ الأحكام والقرارات المتعلقة بالأطفال، وآليات حماية الطفل من كل خطر محتمل.
كما تحرص الجمعية على التمييز بين الوقائع التي تثبتها الوثائق والأحكام القضائية وبين الادعاءات أو المعطيات التي لا تزال تحتاج إلى تحقيق أو تقييم قضائي، احترامًا للقضاء وحقوق جميع الأطراف، ورفضًا لأي تشهير أو إصدار أحكام مسبقة.
منذ 21 مارس 2021 بدأت المعاناة
حسب المعطيات والوثائق التي يتوفر عليها الملف، بدأت معاناة الأب بتاريخ 21 مارس 2021، قبل أن تصبح القطيعة مع ابنه كاملة منذ 4 يونيو 2023، مع استمرار الإجراءات والمساطر القانونية والقضائية المرتبطة بالموضوع. ويتضمن المسار القضائي للملف عدة إجراءات وشكايات ومحاضر ومساطر، من بينها حكم جنحي صدر بتاريخ 24 يناير 2023 في سياق الوقائع المتعلقة بعدم تسليم الابن.
ورغم تعدد الإجراءات، استمرت معاناة الأب لسنوات، وهو ما يطرح سؤالًا حقوقيًا جوهريًا حول فعالية الآليات القانونية عندما يتعلق الأمر بعلاقة طفل بأحد والديه. ولم تبقَ هذه المعاناة في حدود النزاع القضائي، إذ تشير وثائق طبية إلى تعرض الأب لانهيار عصبي في سياق الضغط النفسي المرتبط بحرمانه من ابنه. وترى الجمعية أن هذه المعطيات تستوجب التعامل معها بمنتهى الجدية، ليس فقط من أجل حماية الأب، وإنما، وقبل كل شيء، من أجل حماية الطفل من الآثار المحتملة لنزاع أسري طويل الأمد.
تقرير طبيب نفسي للأطفال بتاريخ 10 ماي 2023
بعد أن تسلّم الأب ابنه بتاريخ 5 ماي 2023 في دائرة الشرطة، تنفيذًا لتعليمات النيابة العامة، عرض الطفل على طبيب مختص في الطب النفسي للأطفال. وقد صدر تقرير طبي بتاريخ 10 ماي 2023 يتضمن، بحسب المعطيات الواردة فيه، ملاحظات تتعلق بحالة نفور الطفل من أمه، كما يتضمن معطيات مرتبطة بادعاءات تعرض الطفل للتحرش والاعتداء الجنسي.
وتؤكد الجمعية أنها لا تعتبر هذه المعطيات حكمًا قضائيًا نهائيًا، ولا تتولى تحديد المسؤولية الجنائية لأي طرف، وإنما تعتبر أن ورود مثل هذه المعطيات في تقرير صادر عن طبيب نفسي مختص بالأطفال، في تاريخ محدد، يجعلها معطيات بالغة الخطورة تستوجب التقييم والتحقق من طرف الجهات المختصة.
ومن هنا يطرح الملف سؤالًا حقوقيًا وإنسانيًا بالغ الأهمية: حين يتضمن تقرير طبي متخصص يتعلق بقاصر معطيات بهذه الخطورة، فإن التطبيق الفعلي لمبدأ المصلحة الفضلى للطفل يقتضي التعامل بجدية وسرعة مع كل معطى طبي أو نفسي قد يشير إلى احتمال تعرضه للخطر. فوجود هذه المعطيات لا يعني إدانة أي طرف مسبقًا، ولكنه يعني أن سلامة الطفل تقتضي إخضاعها للخبرة والتحقيق والتقييم المهني والقضائي اللازم.
الطفل ليس طرفًا في النزاع
الطلاق أو انتهاء العلاقة الزوجية لا ينبغي أن يحوّل الطفل إلى طرف في النزاع بين والديه، فالطفل له حقوق مستقلة عن حقوق الأب والأم. ومن أهمها حقه في أن تكون مصلحته الفضلى اعتبارًا أساسيًا في كل قرار أو إجراء يتعلق به (المادة 3 من اتفاقية حقوق الطفل)، وحق الطفل المنفصل عن أحد والديه أو كليهما في الحفاظ على علاقات شخصية واتصالات مباشرة مع كلا الوالدين بصورة منتظمة، ما لم يكن ذلك مخالفًا لمصلحته الفضلى (المادة 9(3)).
فالمسألة لا ينبغي أن تُختزل في «حق الأب في رؤية ابنه»، بل يجب أن تُطرح بصورة أوسع: ما هو حق الطفل نفسه في الحفاظ على علاقته بوالديه؟ وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذا الحق عن حق الطفل في الحماية من أي خطر حقيقي. فالمقاربة الحقوقية السليمة تعني التحقق من الواقع، وتقييم المخاطر، وتحديد مصلحة الطفل الفضلى بناءً على معطيات موضوعية ومتخصصة.
الروابط الأسرية للطفل تُبنى منذ سنواته الأولى
علاقة الطفل بوالديه ليست علاقة يمكن تعليقها لسنوات ثم استئنافها لاحقًا وكأن شيئًا لم يحدث. فالروابط العاطفية والأسرية تتكون وتتطور منذ المراحل المبكرة من حياة الطفل، من خلال الحضور المستمر، والتواصل، والرعاية، والشعور بالأمان والاستقرار. ولهذا فإن انقطاع الطفل عن أحد والديه لفترة طويلة، في غياب تدخل سريع وفعال، قد يؤدي إلى إضعاف أو تغيير علاقة أسرية تتشكل خلال مرحلة أساسية من نموه.
إذا كان الطفل يُحرم من والده لفترة طويلة، فكيف نتحدث بعد ذلك عن «المصلحة الفضلى للطفل» دون تقييم أثر هذا الحرمان نفسه على تلك المصلحة؟ إن المصلحة الفضلى تشمل، عندما يكون ذلك آمنًا، حماية استقرار الطفل العاطفي وروابطه الأسرية. وفي المقابل، لا يمكن حماية العلاقة الأسرية على حساب سلامة الطفل إذا وُجدت مؤشرات جدية على تعرضه للخطر. ولهذا فإن السرعة في التدخل ليست مجرد مسألة إجرائية، وإنما جزء من حماية حقوق الطفل نفسها.
الزمن في قضايا الأطفال ليس زمنًا عاديًا
الطفل يكبر كل يوم، وما لا يحدث في مرحلة معينة من طفولته لا يمكن بالضرورة تعويضه بعد سنوات. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار أي وضع قد يشكل خطرًا على الطفل لا يمكن أن ينتظر سنوات من المساطر. ولهذا فإن السرعة مطلوبة في الاتجاهين: إذا كان الطفل يحتاج إلى الحماية، يجب حمايته بسرعة؛ وإذا كان محرومًا من علاقة أسرية سليمة دون مبرر يتعلق بمصلحته، يجب معالجة الوضع بسرعة.
وقد أكدت لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة أهمية سرعة معالجة النزاعات المتعلقة بالتواصل بين الأطفال ووالديهم المنفصلين، والتنفيذ الفعال والسريع للقرارات المتعلقة بذلك. فالعدالة الأسرية لا تقاس فقط بصدور الأحكام، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية الطفل وتنفيذ القرارات في الوقت الذي تكون فيه الحماية ذات أثر فعلي.
حقوق الطفل وحقوق الأب وحقوق المرأة ليست متعارضة
الدفاع عن حقوق الأب لا يعني أبدًا الدفاع عن الأب على حساب الطفل. كما أن الدفاع عن حقوق المرأة لا ينبغي أن يتحول إلى إلغاء حقوق الأب، تمامًا كما أن حماية حقوق الأب لا ينبغي أن تتم على حساب حقوق الأم أو الطفل. فالطفل صاحب حقوق مستقلة، والأب والأم شريكان في المسؤولية عنه.
وتتضمن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) مقتضيات بشأن المسؤولية الأبوية: فالمادة 5(ب) تتناول المسؤولية المشتركة للرجل والمرأة عن تربية الأطفال ونموهم، والمادة 16 تتناول المساواة في الحقوق والمسؤوليات كوالدين، مع مراعاة مصالح الأطفال. وتتعامل الجمعية مع هذه النصوص في إطار القراءة القانونية الدقيقة للالتزامات الدولية للمغرب وما يرتبط بها من مقتضيات وتحفظات. لكن المبدأ الأساسي يبقى: انتهاء العلاقة الزوجية لا يعني انتهاء المسؤولية الأبوية.
المطلوب ليس انتصار الأب على الأم
الغاية من إثارة هذا الملف ليست تحويله إلى معركة بين رجل وامرأة، ولا التشهير بالأم أو الانتقاص من حقوقها، ولا المطالبة بمنح الأب سلطة مطلقة على الطفل. المطلوب هو بناء منظومة تجعل مصلحة الطفل الفضلى نقطة التوازن بين حقوق ومسؤوليات جميع الأطراف: إذا كانت هناك مخاطر حقيقية ومثبتة على الطفل، فيجب حمايته؛ وإذا ظهرت مؤشرات جدية تستوجب التحقيق، فيجب التحقيق فيها؛ وإذا لم تكن هناك أسباب موضوعية تمنع التواصل، فيجب حماية حق الطفل في الحفاظ على علاقته بوالديه. وهنا تكمن أهمية القضاء المتخصص والخبرة النفسية والاجتماعية والوساطة الأسرية والمقاربة متعددة التخصصات.
من قضية شخصية إلى سؤال إصلاحي
انطلاقًا من هذه الحالة ومن الحالات الأخرى التي تتابعها الجمعية، ترى الجمعية أن إصلاح مدونة الأسرة لا ينبغي أن يقتصر على إعادة توزيع الحقوق بين الأب والأم، وإنما يجب أن ينطلق من سؤال أكبر: كيف نبني منظومة قانونية تجعل الطفل محميًا فعليًا عندما تنتهي العلاقة الزوجية بين والديه؟ ولذلك تدعو إلى تعزيز الانسجام بين التشريع الوطني والالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان وحقوق الطفل، وإلى تطوير آليات قضائية وإدارية أكثر سرعة وفعالية في النزاعات التي تمس الحياة الأسرية للطفل.
فحقوق الإنسان لا تتجزأ. وحقوق المرأة يجب أن تكون مصونة. وحقوق الأب والأم في تحمل مسؤولياتهما تجاه أبنائهما يجب أن تكون محترمة في إطار القانون. لكن فوق كل ذلك، هناك حقوق الطفل. والطفل ليس ملكًا للأب، وليس ملكًا للأم. الطفل إنسان له حقوق مستقلة.
كم من طفل قد يجد نفسه في المستقبل في وضع مماثل؟ وكم من أب أو أم قد يقضي سنوات في المساطر القضائية من أجل استعادة علاقة طبيعية مع طفله؟ وكم من طفل قد يفقد سنوات من طفولته في انتظار قرار أو تنفيذ أو تسوية؟ هذه الأسئلة تجعل الجمعية تعتبر أن القضية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الملف الشخصي، بل يجب أن تكون مناسبة للتفكير في إصلاح تشريعي وقضائي ومؤسساتي أعمق.
وللاطلاع على المراحل السابقة لهذا الملف: بلاغات الجمعية في صيف 2025.
توصيات الجمعية
- جعل مصلحة الطفل الفضلى معيارًا عمليًا أساسيًا في جميع القرارات القضائية والإدارية المتعلقة بالأطفال.
- تعزيز المسؤولية الأبوية المشتركة بعد انفصال الزوجين.
- حماية حق الطفل في التواصل المنتظم مع كلا والديه متى لم يوجد مانع حقيقي يتعلق بسلامته أو مصلحته الفضلى.
- ضمان التنفيذ السريع والفعال للأحكام والقرارات المتعلقة بالأطفال.
- تطوير مساطر استعجالية ومتخصصة للنظر في حالات الانقطاع الطويل بين الطفل وأحد والديه.
- اعتماد مقاربة متعددة التخصصات تشمل، عند الحاجة، الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين وأطباء نفس الأطفال والمتخصصين في الطفولة.
- الاستماع إلى الطفل، وفق سنه ونضجه، عندما يكون ذلك مناسبًا، مع ضمان عدم تحويله إلى أداة في النزاع بين والديه.
- التعامل الجدي والسريع مع التقارير الطبية والنفسية المتعلقة بالأطفال، وخاصة عندما تتضمن مؤشرات على احتمال تعرض الطفل للعنف أو التحرش أو الاعتداء، مع إجراء الأبحاث والخبرات الضرورية وفق القانون.
- تعزيز الوساطة الأسرية والمصالحة قبل تحول الخلافات إلى قطيعة طويلة الأمد، باستثناء الحالات التي تستدعي حماية فورية للطفل.
- مراجعة وتعديل المقتضيات القانونية التي تحتاج إلى تطوير بما يضمن حماية أفضل للطفل، وتوازنًا في المسؤولية الأبوية، وفعالية أكبر في تنفيذ الأحكام.
رسالة الجمعية
تؤكد الجمعية أنها ستواصل تتبع هذا الملف في إطار القانون، واحترام المؤسسات القضائية، وحقوق جميع الأطراف، وبمنهج حقوقي مسؤول بعيد عن التشهير والتحريض وإصدار الأحكام المسبقة. وهدفها ليس خلق صراع بين الآباء والأمهات، بل العمل من أجل أسرة أكثر عدلًا، وطفولة أكثر حماية، وعدالة أسرية أكثر سرعة وفعالية.
فالطلاق قد ينهي العلاقة الزوجية، لكنه لا ينبغي أن ينهي الأبوة أو الأمومة. والخلاف بين الوالدين لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة مع الطفل. والأحكام القضائية المتعلقة بالأطفال يجب ألا تبقى مجرد وثائق، بل أدوات حقيقية لحماية حقوقهم. والطفولة لا يمكن تأجيلها إلى حين انتهاء المساطر.
الطفل أولًا. سلامته أولًا. مصلحته الفضلى فوق النزاع. وحقوقه يجب أن تكون قابلة للحماية والتنفيذ وفي الوقت المناسب.
عن الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق الأب والأبناء.